وأنا أقرأ رسائل بعض الفنانين لبشار الأسد، التي يطالبونه فيها بالتدخل لوضع حد للأوضاع المعاشية الصعبة التي يعانيها السوريون، تستحضرني بشدة، صورة للفنان زهير عبد الكريم، انتشرت في بداية الثورة، وهو يجثو بالقرب من بوط عسكري يلبسه أحد الجنود، ويهم بحضنه وتقبيله.
يومها كانت الرسالة واضحة من نشر هذه الصورة المذلة للفنان عبد الكريم، وهي أن جميع زملائه، ما لم يقوموا بنفس الدور، أو ما يشبهه، فإنه "لا قعود" لهم في هذا البلد..ثم بعدها توالت ردود الأفعال المتجاوبة من الفنانين، بعضهم لبس البدلة العسكرية، كالفنان زهير رمضان، والبعض الآخر، طالب بشار الأسد بإبادة الثورة، حتى لو اضطره الأمر لاستخدام الكيماوي أو النووي إن وجد.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالنظام المغرم بانبطاحية اتباعه، لم يوفر في هذه المذلة، فنانا كبيرا مثل دريد لحام، الذي وصف نفسه مؤخرا بأنه صرماية الوطن، بينما سابقا لم يكن ينكر عشقه للبوط العسكري، وكان يدعو النظام للقضاء على الثورة بشتى الأشكال كذلك.
أما أصحاب الرسائل لبشار الأسد، الفنان أيمن زيدان، والفنانة شكران مرتجى، فهما أيضا قاما بأدوار تشبيحية، تسود لها الوجوه، ومواقفهما مع انطلاق الثورة السورية، لا يمكن لأحد أن ينساها، وهما في ذلك الوقت لم يظهرا أي رأفة أو رحمة بما يتعرض له، على وجه الخصوص، الأطفال من قتل وتهجير وتنكيل، بل إن فنانا مثل أيمن زيدان، تجاوز أكثر المزاودين حرفة، عندما طالب بشار الأسد بتغيير أسماء الشوارع والأسواق العثمانية في دمشق.
على أية حال، رسائل هؤلاء الفنانين لبشار الأسد، ليست ذات قيمة، وهي لن تطهرهم، حتى لو حملوا السلاح وقاتلوا إلى جانب المعارضة، بل إنها على العكس، جرت عليهم وابلا من السخرية، فزادتهم ذلا على ذل.
ما يهمنا منها، أي هذه الرسائل، هو مضمونها، والذي يصور الواقع المأساوي على حقيقته، كما أنها تستخدم متلازمة معروفة جدا في وسائل إعلام النظام، وهي شتم الحكومة وتحميلها كامل المسؤولية، ثم تبرئة "السيد الرئيس" وتصويره على أنه لا يدري بما يجري حوله، وأخيرا النظر إليه على أنه المخلص.
لهذا رأى كثيرون أن هذه الرسائل تم خطها بتوجيه من أجهزة المخابرات، وذلك بالنظر لتاريخ كاتبيها الشخصي، الذي يخلو من العفة والنخوة والطهارة الإنسانية، فلا يعقل أن ضميرهم صحا فجأة وقد أصبحوا يشعرون بآلام الآخرين .. ؟ هكذا كتب البعض ..
أما بالنسبة لي، فلا أستبعد أن يكونوا قد كتبوها من تلقاء أنفسهم، وذلك بعد أن تعرضت مصالحهم للخطر، ووصل "البل لذقونهم" ..
وكما يعرف الكثيرون، فإن النظام استخدم الفنانين لأغراض التعبئة ضد الثورة، مثلما استخدم غيرهم من قادة المجتمع الشعبي، كرجال الدين وشيوخ العشائر، وهؤلاء عادة تنتهي الحاجة إليهم حالما تضع الحرب أوزارها، فيرميهم ويسحب المزايا منهم، ثم يستقدم وجوها غيرهم لزوم المرحلة التالية.
وعلى الأغلب، هذا ما حدث مع هؤلاء الفنانين، فبعد أن كانوا يستقبلون على أبواب أفرع المخابرات بالترحاب، ويحملون بالهدايا والعطايا، أصبحوا اليوم مهمشين، ويعانون من العزلة والاحتقار لأنفسهم، لذلك هم يحاولون البحث عن لعب دور جديد، يعودون فيه إلى حضن المجتمع الذي لفظهم ولم يعد يحترمهم، بدعوى أنهم يدافعون عنه، ضد الظلم والفساد.
ونقطة أخيرة لا بد من المرور عليها، وهي أن الأوضاع الاقتصادية في سوريا مقبلة على ما هو أخطر من الوضع الحالي، سيما وأن النظام يتجه لبناء المدن العصرية وناطحات السحاب، ضاربا بعرض الحائط حاجات الناس المعاشية، لذلك يتوقع الكثير من المحللين الاقتصاديين، بأن الليرة السورية سوف تشهد في العام 2019 هبوطا مدويا بالنظر للمؤشرات التي تقول بأن النظام لم يعد يملك العملة الصعبة اللازمة لتوفير المواد الأساسية المستوردة، كالمحروقات والقمح وحليب الأطفال وغيرها.. بينما الآمال معقودة حاليا داخل النظام، على الإمارات والسعودية والبحرين وعمان، بأن تكون طوق النجاة في اللحظة الحرجة، وهو ما يفسره البعض من علانية إعادة علاقتهم مع النظام، لأن الوضع من الخطورة بحيث لم يعد يحتمل السرية، واللعب من تحت الطاولات..
وفي المحصلة، ما أكثر أصحاب الوجوه السوداء..!
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية