أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"الرقة بعيون مخابرات التنظيم".. صكوك اغتيال رئيس مجلس الرقة الحرة سبقت تغييبه قبل 43 شهرا

*اختُطف الرجل إبان فترة كان التنظيم والنصرة كشخص يشاهد صورته في المرآة - زمان الوصل

*الخليل تحدث عن مشروع التشييع في الرقة عندما كان الملف من المحرمات
*اختُطف الرجل إبان فترة كان التنظيم والنصرة كشخص يشاهد صورته في المرآة
*6 مركبات كان تتردد على "الخليل" أو يستقلها رصدتها مخابرات التنظيم بالمواصفات والأرقام

في أواسط أيار/مايو 2013، وبعد نحو 75 يوما من إعلان تحرير الرقة وطرد النظام منها، اختفى أثر المحامي عبدالله الخليل، أو بالأحرى "ذاب" كما يذوب الملح في الماء؛ ليترك واحد من أبرز وجوه الحراك الثوري في الرقة وعموم المنطقة الشرقية مقعده خاويا، دون أن يتضح مصيره حتى الساعة.

سارع "الخليل" في وقت مبكر من اندلاع الثورة لإعلان موقفه واضحا، فدفع فاتورة ذلك تضييقا واعتقالات متلاحقة، حتى حان موعده مع "الرقة الحرة" حيث انهار النظام وأخلى مواقعه ومسؤوليه، وأصبح لمدينة الرشيد وجه آخر غير الوجه الذي عهدته طوال عقود تحت حكم البعث والأسدين.


تولى "الخليل" في الرقة الحرة منصب "رئيس المجلس المحلي"، الذي يمكن مقارنته إلى حد ما بمنصب "المحافظ"، وترسخت في عيون البعض صورته كناشط سياسي يدافع عن الحريات، فيما كان آخرون يرونه شخصية مريبة تستحق أن تراقب كل تحركاتها، وأن يفتح لها ملف أمني، ولم يكن هؤلاء "الآخرون" سوى جزءا من الذي احتفى "الخليل" معهم بتحرير الرقة ذات يوم!

*تنويهات لافتة
في سجلات تنظيم "الدولة" الأمنية التي تفتحها "زمان الوصل" بالتزامن مع انفراد التنظيم بالمحافظة وطرده بقية الفصائل منها، يرد اسم "عبدالله الخليل" بصفة "قائد مجتمع مدني"، وبجانبها كلام يدور حول مبنى الكهرباء الشمالي الذي تمركز فيه الرجل وقام بنصب "أجهزة بث وأنتيلات على السطح"، مع إنترنت فضائي يمكنه من الاتصال بقنوات وأشخاص خارج سوريا.

ويشير التقرير بجلاء إلى وجود حراس مسلحين على مقر "الخليل"، مضيفا: "قام المذكور الذي يتزعم ما يسمى التجمع الشبابي بتعليق عدد من اللافتات في المدينة يدعو فيها إلى حماية المؤسسات العامة ويكتب في أسفلها المجالس المحلية في الرقة في تاريخ 2013-5-3.. وأكبر اجتماع لعبدالله الخليل في شعبة التربية دوار الساعة 15-5-2013، وأغلبية الحضور من الطبقة الشبابية وعدد المجتمعين أكثر من 80--100 شخص بينهم نساء وبنات".

ومن الملاحظ أن التاريخ الذي ذكر في نهاية الكلام أعلاه، يسبق اختفاء "الخليل" بأيام قليلة، وهو الحادث الذي وقع عندما خرج الرجل في سيارته برفقة 3 أشخاص، فاعترضتهم سيارة أمام مبنى الهجرة والجوازات، ثم واكبتهم حتى وصلوا قبالة المحكمة العسكرية فأوقفتهم، وترجل من السيارة عدة أشخاص وطلبوا البطاقات الشخصية من "الخليل" ومرافقيه، ثم قاموا بتقييد أيديهم ووضع عصابات على أعينهم، واقتادوهم إلى مكان مجهول، حسب رواية ترددت مرارا، وتبنتها "اللجنة السورية لحقوق الإنسان".

لكن اللافت للنظر، والذي يكاد ينفرد به سجل "عبدالله الخليل" لدى مخابرات التنظيم، يتمثل بمجموعة من التنويهات الدقيقة المدونة في حقل "ملاحظات"، تشير إلى أوصاف وأرقام سيارات تتردد على مقر "الخليل" وأخرى يستقلها، وهي بلا شك تنويهات تستحق الوقوف عندها والتساؤل عن مغزاها.

فبدقة متناهية ومقصودة، يدون أمني التنظيم (يرجح أنه أبو حمزة رياضيات) معلومات تقول: "السيارات التي تتكرر (يقصد تتردد) على مبنى عبد الله الخليل: مرسيدس تركية يقودها رجل ملتحي طويل 255502 حلب سوداء، بيك آب تويوتا لون جردوني (لون مشتق من لون جلد الجرذ) 548166، شفروليه دير الزور جردوني تحمل أجانب 707782، كيا ريو فضي الرقة 572672...، هونداي لون أخضر فاتح 660196 الرقة، غالبا يركبها عبد الله الخليل، كيا أبيض دمشق 524951 جيب حديث".

*لهجة حادة
ولا يتوقف الأمر على ذلك، ففي سجل آخر، جرى تحديثه كما هو واضح بعد "فقد" أو "خطف" "الخليل" كما يحلو لكاتب التقرير أن يصف عملية الاختطاف.. في هذا السجل يرد اسم الرجل مرة جديدة تحت صفة "قائد المجتمع المدني في الرقة"، لكن لهجة التقرير هنا تبدو حادة للغاية، ومشبعة بالتهم والتأويلات، حيث يبدأ الأمني تقريره بنعت "الخليل" بأنه "رجل متسلق يرى في نفسه بطلا أو معجزة"، معقبا: "ارتباطاته الخارجية غير محدودة، وهو مندوب الرقة في الائتلاف، أي يتلقى مبالغ من الائتلاف".

ويمضي الأمني في تقريره متهما "الخليل" بسرقة الأموال التي يتلقاها، وبأن الأتراك أرسلوه إلى الرقة على عجالة مع أنها لم تكن محررة بالكامل، بهدف تقديم تقرير لهم عن الأطراف التي شاركت في التحرير والفصائل ذات الفاعلية الأكبر على الأرض، ومنها "الجبهة" كما ترد في التقرير، حيث يلاحظ المدقق في السجلات وجود إشارات تؤكد أن التنظيم وقياداته وأمنييه لم يكونوا حتى ذلك الوقت يرون "جبهة النصرة" إلا كما يرى الشخص صورته في المرآة، فلا اختلافات (فوارق) تستدعي التفريق، بعكس ما حصل لاحقا وخلال أشهر قليلة من استحضار كل أوجه الخلاف التي تستدعي التفسيق فالتخوين والتكفير ثم المقاتلة والقتل.

ويتابع الأمني تقريره: "يدعي عبدالله الخليل أن الناس يتهمونه بأنه مع الجبهة وهذا لم يتهمه به أحد ولكن ليبعد الشبهات بأنه ضد الجبهة... بعد التدقيق القريب منه تبين لنا أن طموحه الدولة المدنية بطابع إسلامي على حد قوله، شر البلية ما يضحك".

وفي سجل ثالث مختص بمتابعة شؤون "الجيش الحر"، تورد مخابرات التنظيم اسم "الخليل" في حديثها عن قائد لواء أمناء الرقة "أبو صطيف" قائلة إنه بدأ "يأخذ حيطة كبيرة بعد خطف عبدالله الخليل"، ومنوهة بعنوان المكان الذي بات ينام فيه مع مرافقيه، وبأنه "يحاول التشكيك في المنهج"، في عبارة تشير صراحة إلى عقيدة التنظيم ومن لفّ لفه من التشكيلات، حتى إن هناك من يسميهم "إخوة المنهج".

*لماذا؟
قد تبدو النقولات السابقة كافية لتظهير صورة "الخليل" في مخيلة التنظيم ومن كانوا ملتصقين به حينها دون الحاجة مزيد إيضاح، لكن معالم الصورة تبدو أشد تباينا، عندما نفتح المزيد من السجلات عن أشخاص كان يراقبهم التنظيم ويعد عليهم حركاتهم وربما أنفاسهم، ومنهم "جاسم الخطيب" الذي وشى به "أبو فرح شهداء القسام"، حينما نقل أن "الخطيب" قال في اجتماع الأمناء (أمناء الرقة) بحضور عبد الله الخليل وآخرين: "لماذا الأحرار يأخذون البنك والجبهة تأخذ النفط.. رح (سوف) نتعاون مع الاتحاد الأوربي ونجيب (نستدعي) طيارات بدون طيار وتقصف كل مقراتهم"، وهي كلمات واضحة تدين بتهم خطيرة ومفهومة من السياق، كلا من "الخطيب" ومن حضر فسمعه ووافقه أو سكت، وفي مقدمتهم "الخليل".

وأياً تكن وجاهة التهم التي رُمي بها "الخليل" في محاضر مخابرات التنظيم، فإن كل واحدة منها تقريبا تعد بمثابة "صك اغتيال" -معنوي في أقل درجاته- صدر بحق الرجل، قبل اختطافه وتغييبه عن مشهد الرقة إلى حين، علما أن فئة من السوريين وربما الرقاويين منهم خصوصا لم يسمعوا باسم "الخليل" وبصفته مناوئا للنظام إلا بعيد انطلاقة الثورة ربيع 2011، وهو خلاف ما يمكن أن نستشفه ونحن نقرأ تصريحات علنية للرجل جابه بها النظام في أعتى سنيه، وواجهه في أكثر ملفاته ومشروعاته حساسية وخطورة.

ففي عام 2006، وبينما كانت بعض الشعوب وحتى الحكومات العربية تغلي من الأنباء المتواترة عن تزايد النشاط الإيراني في مجال "تشييع" السوريين، وبينما كان النظام ومخابراته يسعون بلا تسامح في كبت أي صوت يتحدث عن هذا الملف أو فيه، انبرت عدد من وسائل الإعلام لنشر تحقيقات وتقارير تحاول رصد الأمر ومدى توسعه والتبعات التي يمكن أن تترتب عليه، ومنها تحقيق تحدث عن "استراتيجية إيران لنشر التشيع في سوريا"، نسب إلى المحامي عبد الله الخليل كلاما صريحا في وقتها، يقول فيه إن "الحكومة السورية قامت بتقديم مقبرة أويس القرني في الرقة حيث دفن الصحابي عمار بن ياسر كهبة للحكومة الإيرانية. وبني على أطلالها مركز شيعي وجامع كبير اسمه مقام عمار بن ياسر، وبات مركزا للتشيع".

وبكلام ظاهرة الإشارة وباطنه التحذير، لفت "الخليل" إلى إن هذا المركز يعد أول مركز شيعي في الرقة، وأن هناك مشروعا لتوسعته عبر إقامة مساكن وسوق تجارية، على غرار جامع "السيدة رقية" في النجف بالعراق.

زمان الوصل - خاص
(237)    هل أعجبتك المقالة (218)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي